اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان سيدنا محمد رسول الله واشهد ان المسيح عبدالله ورسوله

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 2 أكتوبر 2015

العقول السائلة

إذا كان من أبرز صفات السائل أنه يتشكل بشكل الإناء الذي يوضع فيه، فإن من أبرز سمات العقول السائلة أنها تتشكل بحسب الموقف اللحظي الذي توضع داخله، فالسياق الماضي يتم نسيانه تماما، كما أن سياقات المستقبل الممكنة لا تُرى إلا كامتداد للواقع الحالي .
هناك فارق كبير بين المرونة مع الواقع، والتي هي سمة محمودة تتيح للعقل التعامل معه، وبين التشكل به، والتي هي سمة مذمومة تجعل العقل أسيرا له ومحدودا به .
فلا ينكر أحد أن الواقع له قيمته، في اعتبار الخيارات وتغييرها أو حتى في استبعادها. فالعقل الذي لا يعمل في الواقع يطحن في الفراغ، والذي لا يعتبر الواقع لا يستطيع استثمار خيره وتقليل شره، وبالتالي .. تقل قيمته كثيرا في الواقع .
لذا كان العقل المتماسك هو المنطلق من أرضية شرعية واسعة، بحيث يكون قادرا على استيعاب مختلف الحالات الواقعية، وعلى إحسان التعامل معها دون أن يعاد تشكيله. فيفرق بين الهدف المرحلي [مثلا: الحصول على مساحة من الحرية والعدل، كما في الهجرة إلى الحبشة] وبين الهدف النهائي [إقامة الدين في الأرض] . كما يفرق بين حال الاضطرار وأحكامها [من العفو والمتاركة] وبين حال الاختيار وأحكامها [من المعاقبة والمجاهدة] … الخ .
فالذين يصنعون الواقع حقا هم أصحاب العقول المتماسكة، لأن أعينهم لا تحيد عن الهدف. ثم هم لا يقفزون نحوه قفزة تقطع ما بينهم وبينه، كما أنهم لا يستسلمون لاعتبارات مرحلية يتعاملون معها قبله. أما أصحاب العقول السائلة فهم وقود لمراحل واقعهم، ربما يكون لهم فيها بذل. لكنهم نادرا ما يحصدون ثمار تضحياتهم، أو يتدرجون بما يوصلهم لهدفهم .
إن صدمة التغيُّر تصيب أصحاب العقول السائلة، مع انكسار الشكل اللحظي الذي توهموا استقراره [فمثلا: من تشكلوا بحرب العصابات في الحرب الأفغانية الأولى، صدموا مع أول ثمارها في أفغانستان، وصدموا مع عدم نجاح نقلها إلى بلاد أخرى / ومن تشكلوا بالحراك السياسي في ثورات الربيع العربي، صدموا مع قسوة موجات الثورة المضادة] .
مع أن خبرة التاريخ تدعم التماسك العقلي المرن، الذي لا يفوّت فرص اللحظة الراهنة [كمن لم ينتفعوا بلحظات هامة سابقة] وفي نفس الوقت لا تستسلم لأسرها، بل تستثمرها لما بعدها، وما بعدها ليس بالضرورة أن يكون من شكلها [فمثلا: الهدنة في غزة لا تعني الركون إلى المسالمة، بل تعني الاستعداد السياسي والعسكري والشعبي للمواجهة التالية] .
إنني لا أرى أن الحركة الإسلامية في مصر أخطأت حين تحركت في فعاليات ثورة يناير، ولا أخطأت حين استفادت من زيادة هامش الحرية السياسي والإعلامي، لكنها – في كثير من فئاتها – أخطأت حين توهمت استمرار هذه الحالة مع وجود الصراع (الداخلي/ والخارجي) ضدها، ولم تسع لتقويتها وتأهيلها لمواجهة التغيير المضاد الممكن .
لقد أخطأ الكثيرون حين ظنوا أن لحظة نصر سياسي ما هي نهاية التاريخ، حتى ذابوا في ممارسات جماعة الإخوان – التي تصدرت المشهد السياسي – بل ذابوا في تقديراتها ، وفرض الواقع المؤقت نفسه عليهم فأعاد تشكيل عقولهم بما يلائمه فقط. ولم يكن هذا صوابا، ولا أقررناه في حينه .
ويكرر كثيرون الخطأ نفسه حين يظنون أن لحظة نصر جهادي ما هي نهاية التاريخ، فيذوبون في ممارسات جماعة الدولة – التي تتصدر المشهد الجهادي – وفي تقديراتها كذلك، ويفرض الواقع المؤقت نفسه عليهم فيعيد تشكيل عقولهم بما يلائمه فقط. وليس هذا صوابا، ولا ينبغي أن نقره .
إن كل حدث تغييري في ظرفه يؤدي دوره، ونحن لسنا ملزمين بالقسمة الثنائية (القبول الكامل/أو الرفض الكامل) . وتفريقنا بين أولياء الدين وبين أعدائه، تفريق عقدي لا يخضع للمساومة. ونقدنا للحالة الإسلامية نقد للنفس ونصح لها، مع ما نرجوه من برّ الله وصنعه لها وبها. أما اليقين فهو أن .. المستقبل للإسلام .

حركة الحق في صراعه مع الباطل إسقاط لأقنعة الباطل

يمكن تلخيص حركة الحق في صراعه مع الباطل عبر التاريخ بأنها عملية إسقاط متوالي ومستمر لأقنعة الباطل..
كان الباطل كامن في نفس إبليس قبل أن يؤمر بالسجود لآدم.. فسقط قناع العبادة عنه ولاح وجه الكبر عليه ورفض السجود.. لكنه استخدم قناع آخر هو قناع (الخيرية) فقال: (أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ..)، فلعنه الله سبحانه .. فسقط قناع الخيرية أيضا حين أقسم أن يصد ذرية آدم عن صراط الله حتى لو كان هو الصراط المستقيم: (..لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ).
كانت قريش تعبد الأصنام تحت ستار التقرب إلى الله: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ).. فظهرت لهم النبوة من عند الله مطالبة لهم بعبادة الله مباشرة.. فسقط قناع التقرب إلى الله وظهرت حقيقة عبادتهم لأسلافهم فتسخطوا على النبوة قائلين: (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ۖ ).
كان نظام مبارك يستر حكم العسكر.. فثار الناس على مبارك بمباركة اضطرارية من العسكر.. وما لبث بعذ ذلك أن انقلب على مطلب العيش الكريم للناس فأطل بوجه هو أقبح من مبارك .. فكانت مذبحة رابعة والنهضة وتوابعها من عربدة القضاء والإعلام وإهدار أبسط الحقوق والقيم.
وذلك الاحتشاد الذي يحتشده الغربيون وأذنابهم ضد عملية شارلي إيبيدو، إنه احتشاد وفزعة يتجاوزان بحجمهما مقولة الدفاع عن حرية الرأي إلى مقولة أخرى أو روح أخرى تم استدعائها عبر التاريخ الأوروبي لتطل بوجهها وتظلل بأجنحتها مليونية باريس صارخة: (لن نسمح لـ (محمد) أن تطأ أقدامه الأراضي الغربية مرة أخرى عبر مؤمنين به مقاتلين من أجله)، نحن نسمع ذلك الصوت جيدا.. ويتأكد فينا إزاءه ذلك الالتزام الذي قطعناه على أنفسنا بأن نبذل كل جهدنا لنكون استمرارا جيدا مشرفا للبعثة المحمدية.. وأن نقاتل أعداء الملة حتى يكون الدين كله لله.
هذا هو (المستور) الذي كشفته ممارسة صراعية بسيطة بين أهل الحق وأهل الباطل.. تلك الممارسة التي كان ميدانها صحيفة شارلي إيبيدو.